زراعة
الزراعة الذكية: عندما تقود التكنولوجيا الطبيعة نحو الاستدامة

لقاء خاص مع م/ محمد خميس
الزراعة الذكية: مستقبل تُصنعه الطبيعة والتقنية معًا
م/ محمد خميس: أتمتة الزراعة شراكة بين الطبيعة والتقنية لمستقبل مستدام
م/ محمد خميس: العنصر البشري حجر الأساس في الزراعة
يقف العالم اليوم على أعتاب ثورة تكنولوجية متسارعة لم تعد تقتصر على القطاعات الصناعية أو الرقمية، بل امتدت إلى أحد أقدم وأهم الأنشطة البشرية وهي الزراعة، فعلى عكس التصورات التقليدية، يشهد القطاع الزراعي تحولًا جذريًا فرضته تحديات متزايدة، في مقدمتها قضايا الأمن الغذائي، وتغير المناخ، والضغط المتنامي على الموارد المائية.
وفي هذا السياق، لم تعد الزراعة الحديثة تعتمد على الآلة التقليدية وحدها، بل دخلت عصر الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، لتصبح التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا في تعزيز الاستدامة وتعظيم الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، تبرز أتمتة الزراعة كأحد الحلول الاستراتيجية لمواجهة التحديات الراهنة، ولتفكيك أبعاد هذه التحولات وفهم آلياتها على أرض الواقع، لذلك أجرينا هذا الحوار مع المهندس الزراعي محمد خميس، خريج جامعة الإسكندرية، والذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 18 عامًا في مجالات استصلاح الأراضي وإدارة المزارع.
وخلال الحوار، يكشف المهندس خميس كيف يمكن تحويل الفدان من مجرد مساحة إنتاج تقليدية إلى وحدة ذكية تعتمد على التقنيات الحديثة وتحليل البيانات، بما يحقق أعلى معدلات الإنتاج مع الحد من الهدر وترشيد استخدام الموارد، في إطار يعكس ملامح مستقبل الزراعة المستدامة.
حدثنا عن البداية، وما أبرز محطات رحلتك المهنية في قطاع الزراعة؟
بدأت رحلتي المهنية في القطاع الزراعي منذ حوالي 18 عامًا بعد تخرجي من كلية الزراعة عام 2007، عملت في إدارة المزارع واستصلاح الأراضي الصحراوية في مواقع مختلفة، من بينها طريق الإسكندرية الصحراوي، والمنيا، وشرق العوينات، وتوشكى، ثم توليت منصب مدير مزارع لمدة ثماني سنوات، ركزت خلالها على الإنتاج الحقلي للخضروات الموجهة للتصدير، كما شاركت في تنفيذ مشاريع تطوير زراعي بدعم من منظمات دولية، وساهمت في إدخال تقنيات زراعية حديثة، مثل تطبيق نظام زراعة البصل المميكنة لأول مرة في مصر، بما ساهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل.
متى شعرت بأن التكنولوجيا أحدثت فرقًا حقيقيًا في إدارة المزارع؟
يتضح أثر التكنولوجيا بشكل ملموس عند إدارة مساحات زراعية شاسعة، تتجاوز 10 آلاف فدان وتشمل مجموعة متنوعة من المحاصيل، فالمتابعة التقليدية لمثل هذه المساحات الكبيرة تصبح شبه مستحيلة، بينما يتيح الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات زراعية دقيقة وسريعة، والقدرة على التحليل الفوري للبيانات ومراقبة المتغيرات الزراعية التي تساهم بشكل مباشر في تحسين الإنتاجية، وتقليل الهدر، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد، ما يمثل تحولًا حقيقيًا في إدارة المزارع الحديثة.
كيف أثر الذكاء الاصطناعي على العمالة الزراعية؟ وهل يشكل تهديدًا للوظائف التقليدية؟
رغم التطور التكنولوجي السريع يظل العنصر البشري حجر الأساس في الزراعة، خصوصًا في الحقول المفتوحة، حيث لا يمكن الاستغناء عن الخبرة اليدوية والمهارات الميدانية، فالذكاء الاصطناعي هنا يلعب دورًا تكميليًا، من خلال تحليل البيانات ومساعدة المزارعين على اتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة، وليس كبديل للجهد البشري. أما في الزراعة المائية والبيوت المحمية، فتصل نسبة الأتمتة إلى نحو 99%، ما يغير طبيعة العمل الزراعي من تنفيذ تقليدي إلى إشراف وإدارة ذكية للعمليات، مع الحفاظ على فرص العمالة وتوجيهها نحو مهام أكثر تخصصًا وإبداعًا.
كيف ساهم الذكاء الاصطناعي في تقليل الهدر في المياه والأسمدة داخل المزارع؟
هذا هو جوهر التغيير حيث يكمن التأثير الأبرز للذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد بكفاءة غير مسبوقة من خلال تحليل البيانات المستقاة من الأقمار الصناعية وحساسات رطوبة التربة، حيث يتمكن النظام من تحديد الاحتياجات الفعلية لكل محصول بدقة متناهية، سواء كان ذلك في تحديد المناطق التي تحتاج للري فقط، أو الكميات المثالية من المياه لكل نوع تربة، بالإضافة إلى التوقيت الأمثل للري وتحديد الاحتياجات السمادية بدقة، هذه العمليات أسهمت بشكل مباشر في توفير المياه والطاقة والأسمدة، وتقلل الأخطاء البشرية بشكل ملحوظ، مما يعكس تحولًا حقيقيًا في إدارة الموارد الزراعية ويجعل الزراعة أكثر استدامة وربحية.
ما أبرز التحديات أو الصعوبات التي واجهتكم عند تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في الزراعة؟
تكمن أكبر الصعوبات في البداية في مقاومة بعض العمال والمشرفين للتقنية الحديثة. كثيرون يرون الذكاء الاصطناعي رفاهية غير ضرورية، أو يشعرون أنه يشكك في خبرتهم وأساليبهم التقليدية في العمل، ومع ذلك تتغير هذه القناعة تدريجيًا بمجرد أن يشهدون النتائج الملموسة على الأرض، سواء من حيث زيادة الإنتاجية أو تقليل التكاليف بشكل كبير، وهذه التجربة توضح أن تبني التكنولوجيا يتطلب إدارة ذكية للتغيير، وصبرًا، وعرضًا عمليًا للفوائد الفعلية قبل توقع القبول الكامل من جميع الأطراف.
من كان الداعم الأكبر لتبني هذه التكنولوجيا الحديثة في مزارعكم؟
الدعم الأكبر من القطاع الخاص، الذي يدرك جيدًا أهمية إدارة التكلفة وتحقيق أعلى عائد بأقل استهلاك ممكن للموارد، فالقطاع الخاص كان المحرك الأساسي لتطبيق هذه الأنظمة، مستندًا إلى رؤيته في زيادة الكفاءة والإنتاجية، وهو ما أثبتت التجربة نجاحه على أرض الواقع.
وأخيرًا، كيف ترى مستقبل الزراعة مع تطور الذكاء الاصطناعي؟
من المتوقع أن يستمر الذكاء الاصطناعي في إحداث تحول جذري في الزراعة، ليس فقط في تحسين الإنتاجية وكفاءة الموارد، بل أيضًا في تطوير سلاسل التوريد وخفض التكاليف الزراعية، ومع هذه التقنيات تصبح الزراعة أكثر دقة وذكاء، وقادرة على تلبية احتياجات النمو السكاني المتسارع، وتعزيز الاستدامة، والمساهمة بشكل فعّال في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، ما يفتح آفاقًا جديدة لمستقبل الزراعة على مستوى العالم.