سياحة
الذكاء الاصطناعي خارج أسوار الحضارة

حوار مع أ/ عصام ابراهيم
الروبوت لا يحكي التاريخ
عصام إبراهيم: هل يزيح الذكاء الاصطناعي “بساط التاريخ” من تحت أقدام المرشدين؟
عصام إبراهيم: الذكاء الاصطناعي لا يعوّض شغف المرشد
في عصر الخوارزميات، طالت رياح التغيير كل المهن، ولم تكن “السياحة” بمنأى عن هذا التطور. وبينما يرى البعض أن “الروبوت” قد يصبح الدليل القادم، يرى خبراء المهنة وجهًا آخر للحكاية. التقينا اليوم بالمرشد السياحي عصام إبراهيم، لنبحر معه في كواليس المهنة، ونعرف منه: هل تستطيع “الآلة” أن تحكي أسرار الفراعنة بنفس شغف الإنسان؟ وكيف يرى مستقبل “المرشد الرقمي” أمام “الإنسان المبدع”؟
هل تعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل المرشد السياحي البشري في المستقبل؟
في تقديري، من الصعب جدًا أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المرشد السياحي البشري بشكل كامل. قد ينجح في تقديم حلول مؤقتة ومحدودة في حال غياب المرشد، لكنه يفتقد للجوهر الحقيقي للمهنة، وهو العلاقة الإنسانية، المرشد البشري لا يكتفي بسرد المعلومات، بل يقرأ ميول السائح ويتفاعل معها لحظة بلحظة، فيختار ما يجذبه ويثير فضوله، نحن لا نحكي تواريخ جامدة، بل نربط الآثار بالدين والهندسة والواقع المعاش، وحتى بثقافة السائح نفسه، وحتى الآن يفتقر الذكاء الاصطناعي إلى هذه القدرة على الربط الإنساني الذكي؛ فإجاباته غالبًا ما تكون مطوّلة ومملة، بينما يستطيع المرشد البشري مخاطبة عقول أربعين سائحًا من ثقافات مختلفة في الوقت نفسه، بأسلوب مشوّق وقريب منهم
التاريخ لا يُروى بالأزرار
كيف توظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حاليا لتسهيل مهامك؟
التكنولوجيا وسيلة مساعدة لا غنى عنها؛ فهي تساعدنا في التأكد من المعلومات وتعميقها. المرشد يتعامل مع مادة علمية موسوعية ضخمة، وفي حالات الشك في اسم معين أو معلومة تاريخية دقيقة، يتدخل الذكاء الاصطناعي ليعطينا نتيجة سريعة وحاسمة. هذا يجعلنا أكثر اطمئنانًا لقيمة المعلومة التي نقدمها، ويختصر علينا وقت البحث في المراجع والموسوعات التقليدية.
ما الذي يقدمه المرشد البشري للسائح ولا تستطيع “الآلة” أو التطبيقات تقديمه؟
يقدم المرشد السياحي القدرة على الإحساس، واللقاء المباشر ويضيف للمعلومة شعور يستحيل على الآلة محاكاته. المرشد البشري يمتلك “ترمومتر” للمواضيع الحساسة، سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية؛ فيختار ألفاظه بدقة لضمان وصول المعلومة دون إثارة استياء أو سوء فهم لدى السائح. هذا “الذكاء العاطفي” هو ما تفتقده التطبيقات تمامًا.
هل تساهم هذه التطبيقات في تنظيم وقتك وتجهيز معلوماتك بشكل أسرع؟
بالتأكيد، الذكاء الاصطناعي وسيلة فعالة جدا للاطلاع السريع ومراجعة النقاط قبل الشرح. المرشد المُعد جيدًا يكون مطلعا باستمرار، لكنه يحتاج أحيانا لتعميق نقاط معينة بشكل فوري، وهنا تظهر فاعلية التكنولوجيا كأداة تطوير لا غنى عنها
هل تغلبت تطبيقات الترجمة الفورية على عائق اللغة بينك وبين السياح؟
في مصر، لم نلجأ إليها بشكل واسع لأننا نمتلك مرشدين يتقنون معظم لغات العالم. حتى في اللغات النادرة، غالبا ما يكون السياح ملمين بالإنجليزية أو الفرنسية. قد تكون هذه التطبيقات مفيدة في دول أخرى أو مع لغات شديدة الندرة، لكن الكادر البشري المصري في مجال اللغات لا يزال هو الأساس والحل الأمثل
شغف لا يعرف البرمجة
بماذا تنصح المرشدين السياحيين الذين يخشون من تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
أقول لهم: “لا تخشوا التطور، بل تآلفوا معه.” أتذكر قديما حينما خشي البعض من “السماعات اللاسلكية” ظنًّا أنها ستقلل عدد المرشدين، لكننا اليوم نستخدمها كأداة أساسية لتحسين جودة العمل. المسألة مسألة وقت فقط للتأقلم. التكنولوجيا ترفع سقف الجودة، والمرشد المطلع والمتمكن من أدواته لا يخضع للمنافسة مع أي “تطبيق ذكي.”
الذكاء بلا روح
في رأيك، هل يفضل السياح التعامل مع “تطبيق ذكي” أم مع “شخص حقيقي” يحكي لهم القصص؟
السائح يبحث عن التجربة الحقيقية. التطبيق الذكي هو “حل مؤقت” عند غياب المرشد، لكنه لن يكون أبدا البديل المفضل. المنافسة الحقيقية هي في “الجودة”؛ فإذا كان أداء المرشد أقل جودة من التطبيق، فهنا تكمن المشكلة. أما مع حضارة مصر العظيمة، سيظل السائح دائما يفضل الشخص الحقيقي الذي يحكي له القصة بروح وشغف.
في ختام لقائنا مع الأستاذ عصام إبراهيم، تتضح لنا رؤية هامة: الذكاء الاصطناعي ليس ” عدوًا” للمرشد السياحي، بل هو “مساعد ذكي” يدفعه لتطوير أدواته. ستبقى التكنولوجيا لغة العصر، لكن “روح الحكاية” ستظل دائما صناعة بشرية خالصة، تُروى بلسان من يحب التاريخ ويعشق تفاصيله